فخر الدين الرازي
31
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [ الشعراء : 61 ، 62 ] وداود بكى على زلته أربعين سنة ، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال : إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها ، وقال اللّه تعالى في آدم وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [ طه : 115 ] وفي يونس وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ [ القلم : 48 ] . والقول الثاني : أن كل الرسل أولو عزم ولم يبعث اللّه رسولا إلا كان ذا عزم وحزم ، ورأي وكمال وعقل ، ولفظة من في قوله مِنَ الرُّسُلِ تبيين لا تبعيض كما يقال كسيته من الخز وكأنه قيل اصبر كما صبر الرسل من قبلك على أذى قومهم ، ووصفهم بالعزم لصبرهم وثباتهم . ثم قال : وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ومفعول الاستعجال محذوف ، والتقدير لا تستعجل لهم بالعذاب ، قيل إن النبي صلى اللّه عليه وسلم ضجر من قومه بعض الضجر ، وأحب أن ينزل اللّه العذاب بمن أبى من قومه فأمر بالصبر وترك الاستعجال ، ثم أخبر أن ذلك العذاب منهم قريب ، وأنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر ، وعند نزول ذلك العذاب بهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا ، حتى يحسبونها ساعة من نهار ، والمعنى أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ ، كأنه ساعة من النهار ، أو كأن لم يكن لهول ما عاينوا ، أو لأن الشيء إذا مضى صار كأنه لم يكن ، وإن كان طويلا قال الشاعر : كأن شيئا لم يكن إذا مضى * كأن شيئا لم يزل إذا أنى واعلم أنه تم الكلام هاهنا ، ثم قال تعالى : بَلاغٌ أي هذا بلاغ ، ونظيره قوله تعالى : هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ [ إبراهيم : 52 ] أي هذا الذي وعظتم به فيه كفاية في الموعظة أو هذا تبليغ من الرسل ، فهل يهلك إلا الخارجون عن الاتعاظ به والعمل بموجبه واللّه أعلم . قال المصنف رحمه اللّه تعالى : تم تفسير هذه السورة يوم الأربعاء العشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .